محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
619
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
أعظم عبادات القوم ، وفيه لغتان منسك بالفتح ومنسك بالكسر ؛ والأوّل بمعنى المصدر والثاني بمعنى الموضع ، وقد يكونان بمعنى واحد . وقرأ الأكثرون « 1 » : أرنا بكسر الراء ؛ وقرأ بعضهم بالجزم مع الإشمام . وقوله : وَتُبْ عَلَيْنا . قال ابن عبّاس : يريد اعصمنا ؛ وقال قائلون : اقبل توبتنا ؛ وقال قائلون : تب على عصاة أولادنا ؛ وقد قيل : لا يخلو نبيّ من الأنبياء عن زلّة إمّا صغيرة أو ترك ما هو أولى أو خطأ في الاجتهاد ؛ وقد قال - صلّى اللّه عليه وآله - : « ما أحد إلّا وقد أخطأ أو همّ بخطيئة إلّا يحيى بن زكرياء فإنّه ما همّ بمعصية قطّ . » والتوبة قد ترد بمعنى التخفيف والتسهيل ، والأصل فيه الرجوع إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ ( 250 آ ) الرَّحِيمُ الراجع وكثير الرجوع بأوليائه إلى أفضل الدرجات ، الرحيم بهم بأخصّ رحماته . الأسرار قال المسلمون لإبراهيم وإسماعيل وذرّيّتهما الطاهرين - عليهم السلام - : الإسلام إسلامان ، إسلام بمعنى المبدأ ويشترك فيه المؤمن والمنافق ، وإسلام بمعنى الكمال وهو أكمل درجات السالكين كما قال تعالى لإبراهيم : أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ؛ وقال للمصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وقال لخواصّ أمّته : وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وهو التسليم لأمره والانقياد لحكمه في طوري تكليفه وتقديره ؛ وهو العمل بما يعلم والتسليم لما لا يعلم ؛ وهو درجة فوق العلم ؛ والعمل ، ولذلك قيل : النجاة بالإيمان ؛ وإنّما العلم درجات لأهله ودركات ؛ وقد ورد في الخبر المعروف بدعوة جبريل - عليه السلام - ما الإسلام ؟ ما الإيمان ؟ ما الإحسان ؟ وفي بعض الروايات في السؤال الثالث : ما الإسلام ؟ والإسلام والإحسان في قرن واحد . بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ؛ فالدعاء الذي جرى على لسان الخليل وولده إسماعيل هو بمعنى كمال درجات المؤمنين والمرسلين : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ لا يشوب أعمالنا رياء وعجب ، ولا يخالط حركاتنا في أفكارنا وأقوالنا وأفعالنا ما ليس لك .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : القراءة والتفسير .